تطبيق الجامعة العربية للوساطة

تطبيق الجامعة العربية للوساطة

دراسة،إعداد و تقديم الدكتور الأستاذ عزالدين بن سالم

جامعة الدول العربية هي إحدى المنظمات الدولية الإقليمية التي أكدت في

ميثاقها على عدم استخدام القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دو الجامعة، وقد تقرر هذا التوجه أيضا في معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي- التي صادق عليها مجلس الجامعة في أبريل 1950 ، ودخلت حيز التنفي ذ سنة 1952- في مادتها الأولى بالحرص على دوام الأمن والاستقرار وفض المنازعات بين الأعضاء بالطرق السلمية،

فإلى أي حد نجحت هذه الوسائل في تحقيق التسوية السلمية 

إذا كان من الممكن أن يتخذ هذا السؤال كأساس لهذه الدراسة، فإنه مع ذلك لن يكفي لمعرفة الأسباب التي تساعد أو تحد من قدرة الجامعة على تسوية المنازعات التي تثور بين أعضائها ، لذلك ارتأينا أن يكون تصميم هذا المبحث مقسما إلى مطلبين:الأول عن النجاح والثاني عن الفشل.

المطــــلب الأول:عن النجاح

إذا كان لا بد من الحديث عن النجاح فسيكون ذلك في إطار النوعين الأخيرين، فهل هناك فعلا نجاح فعال وآخر محدود في تسوية النزاعات العربية من طرف الجامعة ؟

أ – منازعات أسهمت الجامعة في تسويتها بكفاءة عالية:

لقد استعملت الجامعة العربية العديد من الوسائل و الآليات قصد محاولة تسوية النزاعات العربية العربية، و هو ما تم الحديث عنه آنفا، لكن هل أفلحت هذه الوسائل ، سواء منها الأصلية أو المستحدثة في حل نهائي لبعض هذه المنازعات ؟

من خلال العديد من الكتابات التي تحدثت عن دور الجامعة في تسوية المنازعات المحلية يتبين بأن تقييم هؤلاء الباحثين في هذا المجال يذهب في الغالب إلى وجود دور إيجابي في التسوية النهائية لنزاعات معينة مثل:(النزاع العراقي-الكويتي لسنة 1961 والحرب الأهلية اللبنانية لعام 1975، وكذادورها في حل الأزمة بين اليمنين سنة 1972).

وبغض النظر عن النقاش الذي يمكن أن يدور حول الوسائل المتبعة في حل هذه النزاعات، هل هي وسائل منصوص عليها في الميثاق أو كونها مستنتجة من تطور عمل الجامعة في مجال التسوية و مدى قانونية هذه الأخيرة ؟ فإن الاعتراف بوجود مجهود حقيقي وواضح من طرف الجامعة في حل النزاعات السالفة الذكر، هو مسألة لا جدال في ها، لكن هل هذه الجهود/الوسائل قد أنهت هذه النزاعات فعلا؟ أم أنها فقط قامت بإخمادها إلى حين ؟

بالنسبة للنزاع العراقي الكويتي و الذي كان حدوديا في ظاهره، و رغم شكل التسوية و تدخل قوات الطوارئ العربية، فقد ظهر من جديد سنة 1973، و تدخلت الجامعة من جديد، وأسفرت جهود أمينها العام عن إنشاء لجنة مختلطة لترسيم الحدود، لكن العراق و الكويت لم ينهيا نزاعهما، رغم هذا كله ظهر النزاع من جديد ـو لو في ظروف أخرى وأشكال أخرى ـ سنة 1990 و لا زال إلى اليوم و ربما مستقبلا.

وبالنسبة للأزمة اللبنانية: فرغم ما قامت به الجامعة وأمينها العام – بالخصوص- لتسوية الأزمة -التوصل إلى اتفاق لإطلاق النار- فإن تطور الأحداث أدى إلى انهياره وبالتالي تصاعد الأزمة ثم اجتماع وزراء الخارجية، و الإقرار بدور الجامعة بتكليف الأمين العام على البقاء في اتصال مع الأطراف، مما أدى إلى توصله إلى اتفاقيات سلام مهدت لتهدئة الأزمة.

فرغم هذا كله، فإن الحرب الأهلية بكل تداعياتها وتأثيراتها على المنطقة استمرت إلى ما بعد ذلك لسنين طويلة إلى حدود ميثاق الطائف.

أما الأزمة بين شطري اليمن : والتي هي حدودية ، شأنها شأن أكثرية النزاعات العربية، حيث لعب الأمين العام دورا هاما لمساعدة لجنة خاصة لتحقيق المصالحة، و نتج عن هذه الجهود حل الخلاف، بل شجعها على الوحدة – أي الاتفاق- خلال المباحثات التي دارت بينهما، و تم توقيع اتفاق اتحاد في نفس السنة (1972)، و لكن الخلاف عاد من جديد سنة 1979؛ فلا اتفاقية السلام حلت المشكل الحدودي ولا اتفاقية الاتحاد أدت إلى تكوين دولة يمنية واحدة، بل ما نشهد الآن – أي وجود دولة يمنية واحدة – هو نتاج لسيناريو أحداث انتهت بعنف شديد بين الطرفي ن، فكانت الوحدة محصلة لإرادة المنتصر.

من خلال هذه الأمثلة، و هذه السيناريوهات يظهر لنا أن ما يسميه البعض بعمل للجامعة في حل بعض النزاعات بشكل فاعل لا يعدو أن يكون محاولة منها، أسفرت فقط على إخماد هذه النزاعات إلى حين.

لهذا يطرح السؤال التالي في هذا الصنف من النزاعات: هل قامت الجامعة فعلا بدور في حلها ؟ أم أنها فقط قامت بإدارتها مما أدى إلى تهدئتها، و لكن أيضا انفجارها بعد ذلك من جديد؟

وبالتالي، إذا كان دور الجامعة قد اقتصر على إدارة الأزمات بدل حلها، في مكن القول أن هذه المحاولات، و التي تزامنت مع بداية كل نزاع، كانت مجرد فرص ضائعة.

ب- منازعات كان نجاح الجامعة في ها محدودا:

سنعتبر أن محدودية نجاح الجامعة يرجع بالأساس إلى محدودية دورها، بل وفشلها في حل هذا النزاع أو ذاك لسبب أو لآخر، كأزمة الضفة الغربية لسنة 1950 والنزاع المغربي-الجزائري لسنة 1963 .

ففي الضفة الغربية : الأزمة اعتبرت بمثابة أول أزمة حقيقية تواجه الجامعة، ونتجت عن قرار البرلمان الأردني بضم الضفة الغربية إلى الأردن ، مما أسفر عن معارضة جل دول الجامعة، وبعد الأخذ و الرد والدخول في المتاهات القانونية، بل والمطالبة بطرد الأردن, وما أسفر عن كل هذا من إشكالات، كمسألة من يمثل الفلسطينيين، والجهات المختصة داخل الجامعة للنظر في المسائل القانونية، بعد كل هذا، توصلت الجامعة إلى حل توفي قي من خلال مجلسها و اللجنة السياسية المنبثقة عنه، تعهدت الأردن بكون الضم هو مسألة مؤقتة في انتظار تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، هذه النتيجة رغم أنها هدأت الأمور شيئا ما بين الدول الأعضاء، لكنها أبقت المشكلة (الضفة الغربية ، و تمثيلية الفلسطينيين)، حيث أن الأردن كانت تحتج على وجود حكومة عموم فلسطين، والمؤازرة من طرف بعض الأعضاء والتي حضرت اجتماعات الجامعة، وكانت تحتج بعد ذلك على منظمة التحرير باعتبارها منذ الإنشاء، ممثلا شرعيا ووصيا للشعب الفلسطيني، لذلك فشكل التسوية كان محدودا للغاية

أما بالنسبة للنزاع المغربي-الجزائري سنة 1963: فقد عقد مجلس الجامعة اجتماعا غير عادي في 19 أكتوبر من هذه السنة ، أصدر قرارا يدعو في ه الدولتين إلى سحب قواتهما إلى مراكزهما السابقة، مع تكوين لجنة وساطة لاتخاذها ما يقتضيه حسم النزاع بالطرق السلمية، اعترض المغرب على هذا القرار لأسباب معينة، مما أدى إلى فشل المبادرة، وبالتالي فشل دور الجامعة، وانتقال النزاع إلى جهات أخرى، ولكن الاتصال المباشر بين قيادة البلدين في مؤتمر القمة في القاهرة سنة 1964، كان بداية لاتخاذ تدابير لإنهاء النزاع، هذه المحدودية – إن لم نقل الفشل في النجاح – هي في الحقيقة السمة التي اتصف بها دور الجامعة في تسوية المنازعات العربية بشكل عام.

لقد لاحظنا أن النجاح التام في تسوية النزاعات و التي وصف دور الجامعة في حلها أنه كان فعالا و حاسما، لا يعدو أن يكون في محصلته النهائية مجرد دور محدود شأنه شأن باقي النزاعات الأخرى التي تحدثنا عنها سالفا، ولهذا يمكن وصف ما سمي بالدور الإيجابي لجامعة الدول العربية في التعامل مع بعض المنازعات العربية بكونه دورا محدودا على وجه العموم ، وذلك إذا اعتبرنا أن إخماد أو تهدئة بعض النزاعات هو التخفي ف من حدتها.

بطبيعة الحال ، صفة المحدودية هي السمة القصوى لهذا الدور والتي يمكن اعتبارها (تجاوزا) بالإيجابية ، باعتبار أن هناك فشل حقيقي لهذا الدور كذلك على مستوى نزاعات أخرى، و قبل الحديث عن هذا الفشل يمكن طرح التساؤل التالي: هل الجامعة مؤهلة أصلا لحل هذه النزاعات حلا نهائيا و شاملا بالوسائل المتاحة وفق الظروف الدولية والإقليمية لكل نزاع ؟ ثم إذا كنا قد اعترفنا بالنجاح المحدود ، هذا النجاح كان بوسائل مستحدثة غير منصوص عليها في الميثاق ، فهل كانت هذه الوسائل المستحدثة فعلا على مقاس هذه النزاعات و ظروفها الموضوعية ، بل و ظروف المنطقة على وجه العموم ؟ أم أنها كانت قاصرة عن ذلك ؟

المطـــلب الثاني : عن الفشل

بالرغم من الوسائل المتاحة للجامعة في مجال تسوية المنازعات – دون النظر إلى قصور المادة الخامسة من الميثاق- خصوصا الوسائل المستحدثة ، سواء المساعي الحميدة للأمين العام أو دبلوماسية مؤتمرات القمة ، إلا أنه و مع ذلك ظلت مساهمة جامعة الدول العربية في مجال تسوية المنازعات العربية- العربية غير ذات أهمية بالمقارنة مع الوسائل الأخرى.

فمن خلال الدراسات المنجزة في هذا الإطار اتضح أنه خلال الفترة ما بين 1945 و1981 بلغت نسبة حل المنازعات العربية عن طريق الاتفاق الثنائي بين الأطراف نسبة 84.32%، ووساطة بلد عربي نسبة 10.44%، في حين اقتصر دور الجامعة العربية على نسبة قدرها 8.95 % فهذه النسبة الأخيرة تبين لنا مدى محدودية الدور الذي قامت به الجامعة في مجال تسوية المنازعات ، إذ أن هناك نزاعات لم تتدخل في ها، و هناك نزاعات تدخلت في ها لكن دون تحقيق أي نجاح يذكر في عملية تسويتها، و انطلاقا من سرد بعض هذه النزاعات، سنحاول تبيان الأسباب التي تجعل مساهمة الجامعة في تسوية المنازعات العربية- العربية بهذه الضآلة.

أ – منازعات لم تتدخل الجامعة في تسويتها:و نقصد بهذه الطائفة من المنازعات تلك التي تجاهلتها الجامعة تماما و لم تلعب أي دور- لا من قريب و لا من بعيد- في محاولات تسويتها، و من ذلك: ( النزاع السوري اللبناني سنة 1949، و حرب الخليج الثانية التي أظهرت في ها الجامعة ضعفا كبيرا وعجزا مطلقا عن مواجهة الموقف).

ففي 10 مارس 1949 دخل مجموعة من الجنود السوريين على متن سيارات الجيش السوري و قاموا بقتل أحد الفلسطينيين المتعاونين مع إسرائيل، فتم اعتقالهم من طرف رجال الدرك اللبنانيين، وبدأت لبنان التحقيق معهم ، فكان ذلك إعلانا ببدء تأزم للعلاقات السورية اللبنانية.

والملاحظ أن هذا النزاع وجد حله خارج جامعة الدول العربية، إذ أن النزاع السوري اللبناني لم يقدم داخل مجلس الجامعة العربية، كما أن الأمين العام لم يتدخل بالمرة في هذا النزاع، إذ تم حل النزاع عن طريق وساطة مصرية- سعودية.

ونلاحظ ، أنه خلال المناقشات التي دارت بين طرفي النزاع اقترحت لبنان في مشروعها المقدم لهيئة التحكيم، ضرورة الإشارة في حيثيات الحكم إلى ميثاق الأمم المتحدة وبالخصوص المادة (33) مع استبعاد أي ذكر لميثاق الجامعة العربية، إلا أن سوريا اعترضت على هذا الاقتراح، و اقترحت بالتالي الإشارة إلى ميثاق جامعة الدول العربية باعتباره الرباط الذي يربط بين الدولتين، غير أن لبنان رفض ت ذلك مما أدى في النهاية إلى الاكتفاء فقط بذكر المبادئ العامة للقانون الدولي العام مع ذكر صلات حسن الجوار والأخوة بين البلدين الشقيقين.

وتبقى أخطر الأزمات التي واجهتها الجامعة، منذ تأسيسها، و التي كانت سببا لإثارة العديد من التساؤلات حول مصداقيتها و نجاعتها، و هي حرب الخليج الثانية، وإن كنا لا نجادل في كون العراق، قد خرق مقتضيات القانون الدولي بهجومه على دولة ذات سيادة -الكويت- فإن النزاع انطلاقا من نص المادة 52 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة كان من المنطقي أن يسوى في إطار جامعة الدول العربية.

فالجامعة خلال هذه الأزمة عرفت تقدما لا مثيل له في تاريخها، حيث تميزت بالصراعات و الخلافات بين القادة العرب لا سيما بعد مؤتمر القاهرة، حيث تميزت جلساته بالتذبذب في المواقف، بين الرفض و القبول و الامتناع، بل هناك من القادة العرب من ذهب إلى عدم جدوى اجتماع القاهرة على اعتبار أن جدول الأعمال لم يكن محدد بشكل واضح ، حيث تحول النقاش عن أزمة الخليج إلى الحديث في موضوع نقل مقر الجامعة من تونس إلى القاهرة، فهل موضوع انتقال المقر، أهم من تسوية نزاع بين دولتين عربيتين عضوين في الجامعة ؟ أم أن ذلك لم يكن اعترافا ضمنيا من جامعة-الدول العربية- بعجزها عن تسوية الخلاف

ب – منازعات تدخلت الجامعة دون نجاح في عملية تسويتها:

وهي تلك المنازعات التي حاولت الجامعة أن تلعب دورا معينا في عملية تسويتها غير أنها لم تحقق أي نجاح يذكر، و نقصد بذلك دور الجامعة في الأزمة اليمنية سنة 1948، وفي النزاع المصري السوداني سنة 1958.

فلقد اعتبرت الحرب الأهلية التي اندلعت في اليمن سنة 1948، أول نزاع تدخلت في ه الجامعة، كما أنها من المنازعات التي لم تظهر الجامعة كفاءة ذات شأن في تسويتها، فقد انتهت الأزمة بانتصار أحد الطرفي ن المتنازعين و لم تتقدم الجامعة بأية مقترحات، ولم تقم بأية محاولات لتسوية الأزمة ، و كل ما قامت به كانت تتوخى من خلاله –فقط- التعرف على من تعترف به كممثل للشعب اليمني داخل الجامعة.

و بالمثل، فإن الجامعة أظهرت قدرا واضحا من اللاكفاءة في تسوية النزاع المصري-السوداني الذي نشأ حول تخطيط الحدود بين الدولتين في فبراير سنة 1958، فقد أخفقت الدبلوماسية العربية على المستوى الثنائي أو على المستوى الجامعي في تسوية النزاع، فعندما قدم مندوب السودان مذكرته إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، لم يحاول هذا الأخير أن يطلب عقد مجلس الجامعة في دورة غير عادية، كما لم تبادر أي دولة عربية بطلب عقد مجلس الجامعة، و لا لمجرد التدخل في تسوية النزاع، وقد حاولت الأمانة العامة للجامعة أن تبرر هذا الموقف بقولها أن السودان لم يطلب عقد مجلس الجامعة وأنه اكتفى بمجرد تبليغ الأمين العام للأمم ببدل مساعيها الحميدة.

وفق هذا و ذاك، فإن الجانب السوداني لم يطمئن إلى جانب جامعة الدول العربية إذ رآها خاضعة للنفوذ المصري ، لذلك فإنه بعدما قدم شكوى إلى الأمين العام ، سارع بتقديم شكوى أخرى إلى مجلس الأمن، دون انتظار نتائج المساعي الحميدة للأمين العام لجامعة الدول العربية.

من خلال ما تقدم ، سواء في ما يتعلق – بنجاح- الجامعة العربية أو فشلها في تسوية المنازعات العربية ، يمكن أن نلاحظ أن جامعة الدول العربية تبقى عاجزة عن تسوية ما قد يثور بين أعضائها من منازعات وذلك لعدة أسباب، فإلى جانب قصور الميثاق في ما يتعلق بالوساطة و التحكيم ، هناك أسباب أخرى يمكن إجمالها في ما يلي :

• فشل مشروع إنشاء محكمة عدل عربية : فالميثاق لم ينشئ جهازا خاصا ليقوم بوظيفة التسوية السلمية للمنازعات في إطار الجامعة، في ما عدا ما تشير إليه المادة 19 بشأن إنشاء محكمة عدل عربية, فرغم أن هذا المشروع كان موضوع قرارات كثيرة و اجتماعات عديدة, و رغم ما يتداول حاليا عن ضرورة الإسراع بإنشاء هذا الجهاز، فإننا نظن أن ذلك لن يحدث، على اعتبار أن الأسباب التي منعت إنشائه طوال الخمسين سنة الماضية هي نفس الأسباب التي تمنع إنشائه حاليا, فالدول العربية لم تصل إلى درجة من النمو السياسي و الاجتماعي، و لم يتبلور بعد تضامنها و شعورها بالانتماء إلى أسرة دولية واحدة، و ذلك كله لم يؤهلها لأن تستريح لحكم القاضي الدولي لتسوية منازعاتها حتى و لو كان هذا القاضي عربيا, و بمعنى آخر، لا يرجع الأمر إلى عدم اطمئنان الدول العربية إلى قدرة الجهاز القضائي العربي المزمع إقامته على إصدار حكم موضوعي، و لكن الأمر يرجع إلى عدم اطمئنان الدول العربية إلى الحكم القضائي كوسيلة لتسوية النزاع, لاعتقادها أن هذا الحكم القضائي إذا صدر ضدها، فسيكون ماسا بكرامتها، في حين أن التسوية الدبلوماسية تخفي تنازلات أطراف النزاع في ثوب سياسي، يجعلها لا تتأثر به، ولا تشعر بما يمس كرامتها.

بطء التحرك الدبلوماسي العربي من أجل تسوية المنازعات الإقليمية : و يتجلى هذا البطء بالخصوص إذا ما قورن بتحرك الأمم المتحدة من أجل الغرض نفسه، فعلى سبيل المثال، نجد أنه في الخلاف الذي نشب عام 1958 بين لبنان و مصر احتاج مجلس الجامعة إلى عشرة أيام حتى يتمكن من الاجتماع ، في حين أن مجلس الأمن اجتمع بعد أقل من 24 ساعة فقط من إبلاغه، و في حالة الحرب الأهلية اللبنانية 1975 لم يجتمع المجلس إلا بعد مرور ستة أشهر على بداية الأحداث.

ويشكل هذا البطء في التحرك الدبلوماسي إحدى العوامل التي تساهم في إضعاف قدرة الجامعة على تسوية منازعاتها و عدم حصرها في نطاق إقليمي، إذ غالبا ما تكون هيئة الأمم المتحدة من يتخذ قرارات بشأن هذه النزاعات، و للخروج من هذا المأزق يستحسن أن تعمل الجامعة على التدخل أو على الأقل الاجتماع مع البوادر الأولى للنزاع وعدم انتظار تطوره إلى إغلاق للحدود أو عمل مسلح و ما إلى ذلك.•

التدابير العسكرية : لا يخفى على أحد، ما يمكن أن تلعبه القوات العسكرية داخل منظمة أريد لها أن تكون أداة لتحقيق الأمن و السلم داخل منطقة معينة و لا أدل على ذلك الدور الذي تقوم به قوات حفظ السلام الأممية في معظم أنحاء العالم، إلا أن هذا ما لا نجده داخل الجامعة العربية إذ لم تتدخل الجامعة عسكريا إلا مرتين:

المرة الأولى، حينما شكلت قوات الطوارئ العربية التي أرسلت إلى الكويت ؛ والمرة الثانية، أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

و في الحالة الأولى لم تستطع قوات الطوارئ الدولية العربية الوصول إلى الكويت، إلا بعد أن زال الخطر الذي كان يهدد دولة الكويت، و الذي من اجله أنشئت هذه القوة.

في الحالة الثانية لم تنجح قوات الطوارئ العربية في فصل الأطراف المتشابكة إلا بعد أن تدخلت القوات السورية في لبنان، و لم يوجد سند لهذا التدخل العسكري السوري، إلا بعد اجتماع مؤتمر القمة العربي في دجنبر 1976، و أسبغ على القوة العسكرية السورية الشرعية الدولية .

بالإضافة إلى ذلك، فإنه من الملاحظ أن دور الجامعة يختلف – من حيث فعاليته و أدائه – باختلاف الظروف و الأطوار التي تمر بها العلاقات العربية – العربية، فكلما سادت الوطن العربي درجة من الهدوء والوفاق بين الأقطار العربية، كلما انعكس ذلك على الجامعة قوة ودعما، والعكس بالعكس. ولعل أكبر دليل على ذلك، ما آل إليه وضع الجامعة على إثر التدهور الذي أصاب العلاقات المصرية العربية بعد توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، فقد أدى ذلك إلى حدوث انعكاسات خطيرة ليس فقط في ما يتعلق بأدائها الوظيفي ، وإنما في ما يتصل ببنيتها الهيكلية، وهو أمر لم يحدث من قبل ومنذ قيام الجامعة، كما أن التدخل الخارجي الذي يتم بشكل غير مباشر يؤدي إلى إعاقة الجامعة في مواجهة المنازعات العربية التي تكون محلا لهذا التدخل، حيث إنها ـ في مثل هذه الحالة ـ تكون أمام نزاع أو موقف أو أزمة ذو ثلاث مستويات : المستوى الداخلي أو المحلي، المستوى الإقليمي والمستوى الدولي.

ويتصل بعامل التدخل الخارجي، موقف الدول الكبرى إبان مرحلة الحرب الباردة وبصفة خاصة موقف الدولتين العظميين من النزاع الذي تنظره الجامعة ، فقدرة الجامعة كانت تتوقف في جانب كبير منها على طبيعة اتجاهات السياسة الخارجية للدولتين العظميين اتجاه النزاع، فكلما كانت مواقف الدولتين العظميين سلبية اتجاه نزاع معين، كلما تعذر على الجامعة معالجته.

أما بعد انهيار الاتحاد السوفي اتي وبزوغ أحادية قطبية أمريكية مهيمنة على جميع القضايا المعروضة على المستوى الدولي ، فإن مواقف جامعة الدول العربية تتماشى في أحسن صورها مع المواقف الأمريكية بعيدا عن ترجمة نبض الشارع العربي من المحيط إلى الخليج.

والقضية التي تبرز الآن هي التالية : إذا كانت هذه أهم خصائص دبلوماسية جامعة الدول العربية في تسوية المنازعات ، وهذه هي أهم الظروف التي تؤثر بدرجة ملحوظة بالسلب على أداء الجامعة في مجال تسوية المنازعات ، فإننا يمكن أن نستنتج أن دور الجامعة في هذا الشأن سيظل محدودا وهامشيا على العموم ، وهو أمر يجعل من اللازم على الجامعة أن تعيد النظر في نظامها ومواثيقها كليا، وفي الظروف التي تعمل في إطارها. وذلك بهدف تمكينها من تحقيق درجة من المواءمة المطلوبة مع المعطيات المعاصرة للواقع العربي والدولي، خصوصا في الوقت الراهن والذي يتحدث في ه البعض عن نظام إقليمي بديل لجامعة الدول العربية يمثله مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي بدأت تنادي به الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إدماج إسرائيل في محيطها الجهوي الإقليمي وخلق تجمع بديل لجامعة الدول العربية.

وفي ختام هذه الدراسة نورد مقولة أساسية للأستاذ أحمد الرشيدي تذكرنا بوضع الجامعة الحالي، إذ يقول : » إن الجامعة العربية بوضعها الراهن، تعيد إلى الأذهان تجربة عصبة الأمم، فإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد عصفت بهذه التجربة بعد نحو ربع قرن من قيامها وتمخضت عن ميلاد منظمة الأمم المتحدة أخذت في الاعتبار دروس المنظمة السابقة عليها وتجاربها، فإن الوضع الراهن للعلاقات العربية يفرض اتخاذ خطوة مماثلة

دكتور دولة الاستاذ عزالدين بن سالم ـ

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

w

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :